محتوى المقالة الرئيسية
الملخص
يُعدّ إكراه المتهم على الاعتراف أحد أخطر صور انتهاك حقوق الإنسان والضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة، إذ يمسّ جوهر العدالة الجزائية ويقوّض مبدأ افتراض البراءة. والمقصود بالإكراه هو كل وسيلة مادية أو معنوية تُمارس على المتهم بغية انتزاع اعترافه، سواء تمثّلت في التعذيب الجسدي كالضرب والصعق والحبس الانفرادي، أو في وسائل معنوية كالإهانة، والتهديد بإلحاق الضرر به أو بأسرته، أو ممارسة الضغوط النفسية الشديدة. هذه الوسائل تُفقد الاعتراف قيمته القانونية لأنها تنتزع إرادة المتهم وتجعل أقواله وليدة الخوف لا الحقيقة.
وقد أكدت معظم التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية، كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، على بطلان أي اعتراف ينتزع بالإكراه وعدم جواز الاستناد إليه كدليل إدانة.
تختلف التشريعات المقارنة في صياغة القواعد الجزائية المترتبة على هذا الفعل، لكنها تلتقي في تجريم سلوك المحقق أو أي سلطة تستخدم وسائل الإكراه. ففي القانون العراقي، يعدّ الاعتراف الناتج عن الإكراه باطلاً، ويعاقب الموظف العام الذي يثبت تورطه في التعذيب أو الإكراه بالحبس أو السجن بحسب جسامة الفعل، وذلك وفق قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية.
وتتجاوز الجزاءات الجانب الجنائي لتشمل آثاراً إجرائية ومدنية؛ فمن الناحية الإجرائية، يؤدي ثبوت الإكراه إلى استبعاد الاعتراف وإبطال المحضر أو التحقيق المتعلق به، وقد يترتب عليه بطلان الإجراءات اللاحقة إذا كانت مترتبة عليه. أما من الناحية المدنية، فيحق للمتهم المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحق به نتيجة الإكراه، وعليه، فإن الدراسة المقارنة تكشف عن إجماع تشريعات الدول على حماية المتهم من الإكراه، وتجريم هذه الممارسات، وترتيب بطلان الأدلة الناتجة عنها، بوصفها ضمانة جوهرية لصون العدالة ومنع الانحراف في عمل سلطات التحقيق.
